أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
253
العقد الفريد
جود عبد اللّه بن معمر القرشي التيمي ومن جود عبيد اللّه بن معمر القرشي ، أن رجلا أتاه من أهل البصرة كانت له جارية نفيسة قد أدّبها بأنواع الأدب حتى برعت وفاقت في جميع ذلك ، ثم إنّ الدهر قعد بسيّدها ومال عليه . وقدم عبيد اللّه بن معمر البصرة من بعض وجوهه ، فقالت لسيّدها : إني أريد أن أذكر لك شيئا أستحي منه ، إذ فيه جفاء مني ، غير أنه يسهّل ذلك عليّ ما أرى من ضيق حالك وقلة مالك وزوال نعمتك ، وما أخافه عليك من الاحتياج وضيق الحال ، وهذا عبيد اللّه بن معمر قدم البصرة ، وقد علمت شرفه وفضله وسعة كفّه وجود نفسه ، فلو أذنت لي فأصلحت من شأني ثم تقدمت بي إليه وعرضتني عليه هدية ، رجوت أن يأتيك من مكافأته ما يقيلك اللّه به وينهضك إن شاء اللّه . قال : فبكى وجدا عليها وجزعا لفراقها منه ، ثم قال لها : لولا أنك نطقت بهذا ما ابتدأتك به أبدا . ثم نهض بها حتى أوقفها بين يدي عبيد اللّه فقال : أعزك اللّه ، هذه جارية ربّيتها ورضيت بها لك ، فاقبلها مني هدية . فقال : مثلي لا يستهدي من مثلك ؛ فهل لك في بيعها فأجزل لك الثمن عليها حتى ترضى ؟ قال : الذي تراه . قال : يقنعك مني عشر بدر في كل بدرة عشرة آلاف درهم ؟ قال : واللّه يا سيدي ما امتد أملي إلى عشر ما ذكرت ، ولكن هذا فضلك المعروف وجودك المشهور . فأمر عبيد اللّه بإخراج المال حتى صار بين يدي الرجل وقبضه ، وقال للجارية : ادخلي الحجاب . فقال سيدها : أعزك اللّه ! لو أذنت لي في وداعها ! قال : نعم . فوقفت وقام ، وقال لها وعيناه تدمعان : أبوح بحزن من فراقك موجع * أقاسي به ليلا يطيل تفكّري ولولا قعود الدهر بي عنك لم يكن * يفرّقنا شيء سوى الموت فاعذري عليك سلام لا زيارة بيننا * ولا وصل إلا أن يشاء ابن معمر قال عبيد اللّه بن معمر : قد شئت ذلك ، فخذ جاريتك وبارك اللّه لك في المال . فذهب بجاريته وماله فعاد غنيّا .